بسم الله الرحمن الرحيم
مع الإحترام الكبير لشخص الاستاذ العظيم جمال
حمدان عن عبقرية مصر فى المكان والشخصية وما ينتج عنها من ثروة مدخرة وكنوز
إستراتيجية، إلا أنه من وجهة نظر مختلفة فللثروة بعداً آخر...و إن كان يرتبط
بالعبقرية أيضاً !!...والمقصد هنا بأن الثروة الحقيقة هى العبقرية العقلية.
ولنضرب بمثال شهير يحلو للكثير من الكتاب الإستعانة
به للمقارنة مع مصر، وهو مثال اليابان التى إعتمدت على الثروة البشرية وخاصة العقلية
لتحقيقة الثروة الإقتصادية، ولكن ماهو السر فى أن الثروة العقلية هى الأصل والأهم وليست
ثروة الموارد او الموقع الإستراتيجى او أى من العوامل المادية الأخرى....يمكن
تعليل ذلك بالآتى:
1- الإبداع العقلى يأتى بحلول للمشاكل مهما كان نوعها او ضخامتها ومع ذلك يكون
الحل من البيئة المحيطة بالمشكلة...وبأقل التكاليف الممكنة وربما مع تحقيق أرباح
إضافية تنتج مع حل المشكلة...والأمثلة أكثر من أن تحصى.
2- جودة الجوهر العقلى تصمد أمام الكثير من الإختبارت بل وتزداد جودة ورونق،
وبالتالى لا تتاثر بالكوارث والأزمات وإنما تكتسب منها دافعا لمزيد من الإبداع
والنهوض من الكارثة...ومثال اليابان والمانيا بعد الحرب العالمية أكبر دليل على
ذلك.
3- العقول الردئية تتسبب فى التلف و الإهدار والكوارث، بالتالى لا جدوى ولا نفع
لأى ثروة مادية مع عقول ردئية متحجرة......وكم رأينا من مبانى حديثة و منشئات
جديدة ومواصلات جديدة ومع مرور سنوات معدودات، أصبحت فى حالة يُرثى لها.
4- يوجد الان إقتصاد عالمى سريع الربح إقتصاديا ويحقق مكاسب سياسية وريادة
ومكانة للدول ولكن قليل التكلفة غالبا لأنه قائم على الإبداع العقلى الصرف، ومثال
ذلك البرمجيات (والتى لاتكلف سوى حاسوب ووصلة إنترنت وتعليم جيد) والتى حققت به
الهند نهضتها الشهيرة، وباقى أفرع الإقتصاد
القائم على المعرفة.
مما سبق يتبين لنا بأن الثروة الحقيقية التى يجب أن تسعى
لها مصر لتحقيق الطفرة المطلوبة ليس متعلقا بالإنجاز فى كم البناء المادى وإن كان
ضرورى، وإنما مرتبطاً فعليا بكم الإنجاز فى تحقيق البناء العقلى والمعرفى للشعب،
ولتحقيق ذلك الحلم فإن أفضل المشاريع جاهزة بالفعل ولا ينقصها أى تمويل مادى وإنما
ينقصها إرادة سياسية حقيقية وحازمة تضع المشاريع المطروحة موضع التنفيذ والفعل،
وبذلك يمكن تحقيق هذه الثروة العقلية التى ستحقق فيما بعد ثروة مادية وطفرة هائلة
فى كافة المجالات.
يمكن توضيح الخطوط العريضة لذلك المشروع كالآتى:
·
يجب حفظ
الأجيال القادمة فى حق الكنوز المستخرجة من المناجم والخامات التعدينية عن
طريق تحويلها إلى منتج أكثر أهمية وجودة وفائدة لهم، وذلك عن طريق حصر العائد
الناتج عن الثروة المعدنية فى الإستثمار فى التعليم والبحث العلمى، وبالتالى سيتم
تحقيق هدفين فى آن واحد: الأول هو إحداث النهضة فى أسرع وقت ممكن، والثانى هو حفظ
حق الاجيال القادمة فى أفضل تعليم ممكن وأهم ما يمكن إمتلاكه من كنوز (العلم
والمعرفة).
·
مبدئيا يجب تخصيص أغلب العائد للمعلمين وذلك
للقضاء التام على الدروس الخصوصية والتى مشاكها لا تحصى (إرهاق مادى، ملل الطالب،
إرهاق جسمانى وعقلى للطالب من كثرة الدروس، قلة الإستيعاب، سقوط هيبة
المعلم،...الخ) والتى نتيجتها محصلة تعليمية صفر، وإن كان الطالب ظاهرياً يحصل على
أعلى الدرجات...يبدأ تقدم التعليم والبحث العلمى عندما يكون المعلم أعلى مرتبا
ومكانة وهيبة فى الوطن.
·
يجب العمل على تدريب المعلمين بالخارج
باستمرار مع تواصل عمل الإختبارات لهم كل عام مع تقديم المزيد من الدورات
التدريبية لصقل المهارات التعليمية باستمرار.
·
يجب أن يكون تدريس مادة العلوم والمواد
العملية نظرياً داخل المعمل ومرتبط بالتجارب ويتضمن مناقشات علمية مدروسة جيدا مع
البحث عن إبداع الطلاب وتفاعلهم مع المواد العلمية المطروحة، من ناحية أخرى يجب أن
تكون مواد الحفظ أقل ما يمكن او إلغائها بالمرة.
·
يجب الإهتمام للغاية بعلوم المنطق والفلسفة
ولكن بأسلوب شيق وممتع وعلى هيئة مناقشات فكرية.
·
يجب أن يكون التعليم مرتبط بحاجة الدولة
الفعلية، وذلك بعد إنتقاء وإصطفاء إفضل العقليات والنوابغ فى كل المجالات بما فى
ذلك الأدب والفلسفة والتاريخ فالتفوق والنبوغ ليس مرتبطا فقط بالعلوم والرياضيات.
·
أهم عنصر هو أهمية غرس المهارات الآتية: (التفكير
النقدى الابداعى، مهارة الحل العلمى للمشاكل الطارئة، الأعمال اليدوية).
·
يجب غرس العادات الآتية: (الممارسة اليومية
للرياضة، القراءة، الإنضباط، حب العمل الفردى والجماعى، العادات الصحية السليمة،
النظام).
·
عدم التفريط فى المبدعين بسفرهم للخارج (فمما
يؤسف بأن أحد المبدعين قابل أحد الوزراء
فقال له الوزير بأنه على إستعداد لأن يساعده للإنضمام إلى وكالة ناسا !!) إلا
لمجرد الزيارات فقط للمعامل والكليات وكتابة تعهدات عليهم بضرورة الرجوع للوطن لأن
الدولة أنفقت علي كل مبدع الكثير ويمثل ثروة قومية ...فكيف يتم التفريط فيه بمنتهى
السهولة هكذا ؟؟!
·
الاطفال الموهوبين يتم الاعتناء بهم عناية
خاصة إلى مرحلة الشباب مع تقديم كافة الإغراءات لهم للعمل بأجهزة الدولة والحكومة،
وذلك لضمان أن تضخ أفضل العناصر بالعمود الفقرى للدولة والتى إن صلحت صلح الوطن
بأكمله وإن فسدت فسد المجتمع بأكمله....وليس ذلك تمييز وعنصرية وإنما لتحقيق
الصالح العام.
·
عمل حملة قومية لمحو الأمية بكافة عناصرها
بمعنى أمية القراءة والكتابة وأمية التكنولوجيا وأمية الثقافة والوعى العام...الخ.
ما تم إيضاحه سابقاً هو خطوط عمل عريضة، ولكن
هامة وإن كانت فى بعضها تفصيلية او بديهية، ولكن وجب ذكرها لتأكيد وتوضيح أهمية
العناصر الأساسية والتى إن تحققت فإن بلادنا بالفعل ستضمن وجود ثروة قومية
حقيقية...ولكن من العقول المصرية.